من الصعب علي المُشاهد أن يرتبط بالمخلوقات الغريبة علي الأرض والتي لا نعرف عنها غير القليل ناهيك عن التحدث معها في الفضاء في رحلة إستكشافية. فيلم "رجل الفضاء" الجديد الصادر عن منصة Netflix
عن عنكبوت عملاق له مخالب ملتوية ويتحدث من فم بشري يجعلك ترتعد كلما نطق بكلمه منه. لكن بصوت مفحوح يقوم به الممثل "Paul Dano" صاحب شخصية "The Ridler" في فيلم "The Batman" الذي صدر في ٢٠٢٢. ما يميز هذا المخلوق عن المخلوقات الفضائية في الأفلام. والتي عادة ما تكون أهدافها واضحة وتسير علي خط واحد وهو إما أن تضع بيوضها داخل جسدك بعد أن تقتلك لتحصل علي الدفئ أو إما أن تلتهمك لأنها أفلام تعتبرك بمثابة كائن دخيل عليها. هذه هي الثيمة المعتادة عن الكائنات الفضائية. لكن الأمر هنا يختلف مع هذا العنكبوت الفضائى المُسمي "هانوش". فهو كائن فضولي إلي ما لا نهاية. وله إدراك أقوي من البشر ويعرف معني الراحة ومعنى التوتر. فوجوده يجعل القصة أشبه بجلسة مع معالج نفسي في الفضاء.
القصة مُقتبسه من رواية "رائد فضاء بوهيميا" الصادرة عام ٢٠١٧ عن الكاتب "ياروسلاف كالفار" تدور عن رائد فضاء تشيكي الجنسية يدعي "جاكوب بروتشازكا" يقوم بدوره الممثل "أدم ساندلر" وتحكي عن رحلة فردية في الفضاء لإستكشاف ظاهرة سحرية غريبة تُسمي سحابة "تشوبرا" ذات وهج أرجواني مُختلط بالوردي ويمكن روؤيتها من الأرض. موجودة في مكان ما بالقرب من كوكب المشتري.
يبقي "جاكوب" علي إتصال مُستمر ودائم مع المشرف الخاص بمه"بيت لإبقاء الأمور الخاصة بالمهمة الإستكشافية في مسار صحيح. فهو لا يتحدث مع أحد سوي "بيتر" وزوجته "لينكا" والتي توقفت عن الأتصال به في الفترة الأخيرة. من خلال جهاز إتصالات يشبه خزانة الملابس من الثمانينات. كل هذا يقود لحالة واحدة يعيشها "جاكوب" وهو أن يقضي الكثير من الوقت في الفضاء بمفرده مع نفسه لا يفعل شئ سوي التفكير. لكن سرعان ما سيتغير الوضع وينضم له عنكبوت عملاق ؛ كائن فضائي مُستكشف يعرف عن تاريخ ولغة وعادات البشر ما لا يعرفونه عن أنفسهم.
هو مخلوق موجود منذ بداية الزمن. يتمتع "هانوش" بقدرة خاطفة في الإطلاع علي الأفكار والذكريات المدفونة وإلقاء نظرة علي عقل "جاكوب" الممتلئ والمُتصاعد بالكثير من الأمور. "هانوش" يشعر بالإنجذاب ل "جاكوب" لأنه مُستكشف مثله. وسرعان ما تذهب وتتلاشي الرهبة بينهما. وتبدأ رحلتهما الإستكشافية معاً. يستخدم "هانوش" قدراته لفهم العلاقة المتدهورة لرائد الفضاء "جاكوب" مع زوجته الحامل في الشهور المتأخرة "لينكا". هنا يبدأ "هانوش" في تقمص دور المُعالج النفسي. فهو يري كل شئ في حياة "جاكوب" من وجهة نظر مُنفصلة عاطفيًا ولديه القدرة علي رؤية تفاصيل حياة "جاكوب" تجعله يعرف كيف سارت الأمور بهذه الطريقة ؟ وما هي الأسباب ؟ ثم يُظهر النتائج التي توصل لها.
نظراً لأن الفيلم تدور حدوده بين شخصين في مركبة فضائية صغيرة فالأداء هو ما يحدد جودة الفيلم هنا سواء الأداء الصوتي للممثل "بول دانو" أو الممثل "أدم ساندلر" حتي مع لهجته التشيكية الغريبة بعض الشئ لكنها جيدة لا تلاحظها إلا مع التدقيق. يقوم بدور شخصية هادئه ومتحفظة ذات نظرة مُنهكة وكأنه سأم من الحياة. شخص يعاني جسديًا وعقليًا. وفي الوقت نفسه يقوم "بول دانو" بأداء صوت دافئ وبارد بالتناوب بينهما. مع وجهات نظر غريبة تؤكد علي إختلافه مع الجنس البشري. الإثنان يلعبان ضد بعضهما . "جاكوب" لا يريد سماع الحقيقة لكن "هانوش" يفعل كل شئ لإظهارها علي السطح. حتي ملاحظات "هانوش" عن البشر تمتاز بالطابع الفلسفي أكثر من كونها تافهه وساذجة بالنسبة لنا نحن البشر. فيسأل "هانوش" بتعجب : "هل تشتاق لرفيقتك فقط عندما تغادر"؟ . ناهيك عن أن "هانوش" يكسر المفهوم الرومانسي السائد بسؤال أخر : " لماذا تلتزومون بالوعود إذا كان من الممكن أن يُكسر بسهولة" ؟.
"جاكوب" لم يسأل نفسه أي من هذه الأسئلة من قبل، فزوجته تخطط للطلاق منه وترفض الإتصال به وكل هذه المعلومات محجوبه عنه لتجعل "جاكوب" معزولاً عن الأرض حرفياً. وهو ما يبدوا واضحا مع أول سؤال نراه يُطرح علي جاكوب من طفلة في مؤتمر صحفي وهو علي إتصال فيديو من مركبته الصغيرة في الفضاء : "هل أنت الشخص الأكثر وحدة في العالم" ؟
هل هذا كل شئ عن "هانوش" ؟
في المُجمل هي قصة لطيف وغريبة لا تمتاز بالطابع القاتم المُرعب الفضائي المعتاد في إنتاجات هوليوود بل هي أشبه برحلة بين صديقين في الفضاء في رحلة إستكشافية للإنسان نفسه عن الوحدة في محاولة للتصالح مع الإخفاقات الشخصية. وتدور حول لغز نفسي وإجتماعي مُختلط بأجواء فضائية جميلة. وتقوم علي ربط بعض الخيوط للوصول لشئ واحد في النهاية دون أن تكون مُبتذلة لكنها تترك الكثير من الأسئلة الغير مُجاب عليها كذلك. أسئلة مهمة عن "هانوش" ؟ وعن من أين أتي ؟ من هي قبيلته ؟ وكيف إنقرضوا ؟ ومن هم "الدمفبورز" ؟ الطثير من الأسئلة التي تُترك مُهملة بدون إجابة.
من جانب أخر ؛ الرومانسية هنا مُقيدة والرعب بلا أسنان كذلك. لكن مشاعر مثل (الندم ، الشعور بالذنب ، والإشتياق) تتضخم وتبرز بشكل واضح للغاية. لتصبح القصة وكأنها دراسة هادفة للوحدة والإنفصال ، لكن الفيلم يعاني من تقلب في الحبكة ما بين “هانوش” ووالد “جاكوب” الجاسوس الشيوعي ، فتختلف ويصبح “هانوش” مُهملاً في ذروة الفيلم ولا يظهر بنفس التركيز العاطفي الذي حصل عليه في النصف الثاني من الفيلم.
كذلك النغمة التشائمية في علاقة “جاكوب” وزوجته “لينكا” فهي تظهر بعد لقطات من الذكريات السعيدة بينهم في حقول من الزهور الصفراء الزاهية. لكن التركيز الأكبر كان مع حالة “جاكوب" العقلية-النفسية المُضطربة في محاولة لخلق أمل أخير في زواجه ، لكن عرض تلك الذكريات المتناثرة أثر بشكل سلبي علي هذا الهدف في الواقع. فبينما يتم تسليط الضوء علي الصعوبات في علاقتهما وكيف أن “جاكوب” شخص لا يطاق بشكل صارخ. تُعرض ذكريات سعيدة لهما معاً. مما يُفقدها النغمة التي ترتكز عليها في الأساس.
من المشاكل أيضا ، كانت فيما يخص علاقة “هانوش” و “جاكوب” ! فالفيلم يفشل في المساهمة في إظهارهما ككتلة واحدة بالشكل المثالي ففي بداية ظهور “هانوش” ظهر علي أنه طفيليي يزحف بداخل أنف “جاكوب” بشكل يثير القلق والخوف ويشير إلي شر نابع من “هانوش” . والغريب أن هذا التطور لم يتحقق بل إنتهي بدون معني أو هدف حتي مع الحالة التي خلقها الممثل “بول دانو" بصوته المميز فإن المخلوق لم يخدم سوي هدف واحد وهو دور المعالج النفسي.
بالنسبة لي أنا أري الفيلم يحاول بشدة للوصول إلي الجمع بين البيئة الفضائية والتقلبات العاطفية مثلما فعل "كريستفور نولان" في فيلم “جدول النجوم”. لكنه يفشل في ذلك ويفشل في محاولة الدمج بين عناصره الأساسية. الفيلم يعاني بشدة في البحث عن هوية يتفرد بها عن الأعمال السابقة. لكن مع ذلك تظل قصة جميلة ومحاولة ذات مجهود من المخرج " يوهان رينك".
Twitter: @abdulkarim200k
IG : @imjustcarti
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق