تدوينة عن فيلم Amadeus

 "هو يكتب الموسيقي مُكتمله من رأسه، صفحة بعد صفحة بدون نقصان، وكأنه ينزل عليه الوحي. حاول أن تُغير مكان نغمة واحدة وسوف تنهار المقطوعة بالكامل". 


- أنطونيو ساليري عن موزارت


ما يُميز فيلم Amadeus عن الأعمال السينمائية الموسيقية التانية إنه مش مجرد كرنفال موسيقي وبس بل مزيج ساحر من الدراما - حتي لو كان فيها مغالطات تاريخية - لكن الجاذب في الفيلم هو تصوير "موزارت" بالسذاجة والبلاهه وكأنه شخص غير ناضج بالمره. لكن في نفس الوقت يمتلك "صوت الرب" علي حد وصف "ساليري" من شدة جماال موهبته. في حين إن الأخير ظاهر كإنسان متخاذل في ما يخص مبادئه وشخص حسود حاقد، وجاحد لما وصل إليه وأصبح فيه -بقصد هنا إنه بقي موسيقار البلاط الملكي- وخرج عن طوع الرب بعد أن كان من المؤمنين. ليتحول لرمز للتضاد في القصة بينه وبين "موزارت". 


" من الآن نحن أعداء ، كيف تُعطي ذلك المهرج الشهواني البذيء تلك الموهبة الالهية ، و تترك لي ذوق موسيقى مجرد فقط لتقدير تلك الموهبة؟ ، هذا ليس عدل و لا رحمة و تلك ليست مساواة." 


 - ساليري في صلاته


موزارت كان بمثابة العُقدة في حياة ساليري، أن ينبذه الرب ويتجاهله رغم إيمانة الشديد وطهارته وعفته.. ويختار ذاك الساذج أو المخلوق المُتعجرف ليمثل صوتك يارب؟ لم لست أنا صوتك؟ لم لست أنا محبوبك في الأرض؟ 


"كل ما اردته حقاً هو ان أُسبح الرب بموسيقاي ، هو أعطاني تلك الشهوة ، ذلك الشغف ثم جعلني كالأخرس ، لو لم يرد الرب ان أُمجده فلماذا زرع تلك الشهوة بداخلي؟ ثم يحرمني من تلك العبقرية!. أحلف لك بأغلظ الايمان انه لا يوجد اسوأ من الموسيقار الاخرس." 


"هذا الذي تنتهي سماع موسيقاه بمجرد انتهاء حياته."


"ألا تتذكر أي لحن لي؟

لقد كنت الموسيقار الأشهر في أوروبا.

كتبت 40 أوبرا بمفردي"


- ساليري في حديثه مع القس


ساليري كان يُقدس الموسيقي ويراها أداة لتمجيد الرب وهو به ذلك الولع والحب تجاة الموسيقي وكأنه خُلق لهذه المهمة فقط. لكن نفسه المُذنبة والحاقده علي موزارت منعته من فهم وإدراك أن موزارت هو المختار. فـ إندثرت سيرة ساليري وهو حي يري ذاته تأكل روحه وبقيت سيرة موزارت يتمجد بها الرب وتُخلد وتبقي لتُعزف حتي بعد موته. 


خروج الفيلم عن القالب التاريخي الذي يطغي أحيانا علي القصة الرئيسية في شكلها مش مضمونها هو الي جعل الفيلم بمثابة رحلة إستكشاف لمشاعر زي الحسد والحقد والشعور بالظلم و الإستحقاقية وبالذات التركيز علي الحسد فهو في الأصل الركيزة الأساسية في خلق البُغض والحقد من ساليري تجاة موزارت. 


في كل مره بتفرج علي الفيلم، بقف كتير عند مشهد القس وساليري وهو بيحاول يرسم بالموسيقي لمحات من أعماله ومقطوعاته الموسيقية للقس في أمل إنه يتعرف علي واحدة منهم لكن بلا نتيجة.. لكن ساليري بطبع لذة الفضل فيه. عَزف لحن أخير وتعرف عليه القس وكأنه بيحفظه عن ظهر قلب. وكأن ساليري كان مُتيقن من معرفة ودراية القس علي اللحن ويمكن دي هي المرارة الي فل عايش فيها ساليري طوال حياته بعد موت موزارت، وظل مصاحب للذنب وتأنيب الضمير بينهش في روحه. 


المشهد ده بالتحديد يعتبر سابق للأحداث فيما يخص القصة الأساسية والرحلة كلها و بدايات موزارت وساليري وتلاحم القصة وإكتمالها بيهم وبكل الفرعيات الأخري علشان نوصل للحظة ساليري وهو بيحاول ينتحر بسبب تأنيب ضميره بإنه السبب في موت موزارت. ونوصل لمشهد القس وهو في إختبار من ساليري في أمل التعرف علي إحدي مقطوعاته.


في النهاية يكون المشهد الختامي للفيلم بـ ساليري وهو بيدرك وبيفهم السبب الرئيسي في شقاء حياته بسبب عداوته وحقده علي موازرت من خلال الكلمات الأخيرة وهو بيرددها وهو بيتجول في المصحة! 


٣٢ عاما أراقب إنقراض ذاتي خلالها

أراقب موسيقاي تبهت شيئًا فشيئًا

تزداد بهتانًا حتى ما عاد أحد يعزفها

أما موسيقاه فخالده كسيرته


سأمثلك أيها الأب

إني أمثل كل العاديين بهذا العالم

إني بطلهم

أنا القديس راعيهم

للعاديين بكل مكان 

ها أنا أطهركم من ذنوبكم


هنا بتتجلي لحظات الإدراك علي ساليري وكأنها اللحظة الي بيستعيد فيها إيمانه بعد أعوام ضاعت وذاته تتآكل، هنا بيدرك الحكمة من وراء كل هذا. 


فيلم Amadeus أقرب لجلسة علاجية مدتها ثلاث ساعات. مش محتاج كلام أو حتي واحد في المليون شك إن هو أشمل من مجرد فيلم موسيقي كرنفالي عظيم، هو أبعد عن الدائرة دي أشمل منها بمراحل عديدة. هو ببساطة تحفة لامست وجداني وستظل كذلك للأبد. مش عارف إمتي هكتب تاني عن التحفة دي لأن كل مره بتلذذ بالكتابة عنها



Twitter: @abdulkarim200k 

IG: @imjustcarti 

تعليقات